الحلبي

286

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وكان شاعرا ثم أسلم . فعن محمد بن كعب القرظي قال : بينا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ذات يوم جالسا إذ مرّ به رجل ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المارّ ؟ قال : ومن هذا ؟ قالوا سواد بن قارب الذي أتاه رئيه : أي تابعه من الجن ، الذي يتراءى له ، أتاه بظهور النبي صلى اللّه عليه وسلم أي بعد أن قال عمر رضي اللّه تعالى عنه على المنبر أي منبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : أيها الناس أفيكم سواد بن قارب ؟ فلم يجبه أحد ، فلما كان السنة المقبلة ولعل ذلك كان في زمن المجيء للزيارة من الآفاق قال : أيها الناس أفيكم سواد بن قارب ؟ قال بعضهم : يا أمير المؤمنين ما سواد بن قارب ؟ قال : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا . قال البراء : فبينا نحن كذلك ، إذ طلع سواد بن قارب ، فأرسل إليه عمر رضي اللّه تعالى عنه فقال له : أنت سواد بن قارب ؟ قال نعم ، قال : أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال نعم ، قال : فأنت على ما كنت عليه من كهانتك ، فغضب سواد بن قارب وقال : ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين ، فقال له : سبحان اللّه : ما كنا عليه من الشرك : أي من عبادة الأصنام أعظم مما كنت عليه من كهانتك : أي وفي رواية أن عمر رضي اللّه تعالى عنه قال : اللهم غفرا ، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام والأوثان ، حتى أكرمنا اللّه برسوله صلى اللّه عليه وسلم وبالإسلام . أقول : وفيه أن المتبادر أن غضب سواد إنما هو بسبب ما فهمه من نسبته إلى الكهانة بعد الإسلام لا قبلها ، بدليل قوله ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت . وجواب سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه يدل على أنه فهم أن غضب سواد بسبب نسبته للكهانة قبل الإسلام ، فلذلك قال : سبحان اللّه متعجبا منه . وفي كلام السهيلي أن عمر رضي اللّه تعالى عنه مازح سوادا رضي اللّه تعالى عنه فقال له : ما فعلت كهانتك يا سواد ؟ فغضب وقال له سواد رضي اللّه تعالى عنه : قد كنت أنا وأنت على شر من هذا من عبادة الأصنام وأكل الميتات ، أفتعيرني بأمر قد تبت منه ؟ فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه : اللهم غفرا فليتأمل واللّه أعلم . ثم قال لسواد : أخبرني ما نبأ رئيك بظهور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي رواية قال : يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين . بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان : إذ أتاني رئيي ، فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارب ، فاسمع مقالتي ، واعقل إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من لؤي بن غالب يدعو إلى اللّه عز وجل وإلى عبادته ، ثم أنشأ يقول : عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادق الجن ككذابها